عبد الملك الجويني
134
نهاية المطلب في دراية المذهب
بما روى ابنُ شهاب الزهري أنه قال : " كانت في تلك الفتنة دماءٌ يُعرف في بعضها القاتل والمقتول ، وأتلفت فيها أموال ، ثم سكنت الحرب ، وجرى الحكم على الممتنعين ، فما علمته اقتص من أحد ، ولا غرّم أحداً ما أتلفه " ( 1 ) . وهذا القول يتوجه بمصلحة كلية ، وهو أن الفئة الباغية مدعوون إلى الطاعة رفقاً وعنفاً ( 2 ) ، والذي تقتضيه الإيالة تقديم الرفق وتأخير العنف ، وهو ترتيب الدفع ، وإذا جرت معارك واقتتال جنود ، فلو ( 3 ) علم الممتنعون أنهم مطالبون بالتبعات إذا فاؤوا واستسلموا ، فقد يكون هذا داعيةً لهم إلى الاستمرار على العصيان ( 4 ) ؛ ولهذه الحكمة حُطت الطلبات عن أهل الحرب إذا أسلموا ، وإذا كان جريان الكلام في الإيالات ، فهذه الفنون أحرى بالتمسك [ بها من ] ( 5 ) الأقيسة الجزئية ، وبمثل هذا نفذنا ( 6 ) أحكام البغاة حتى لا يعظم الضرار ( 7 ) . والقول الثاني - أنهم يضمنون ما يتلفون في حالة القتال ؛ فإنهم ليسوا محقين في إقامة القتال وما أتلفوه [ يوصف ] ( 8 ) بأنه متلَفٌ بغير حقّ ، صَدَر إتلافُه من ملتزمِ الأحكامِ ، والذي يُعارِضُ به هذا القائلُ ما قدمناه من الأمر الكلي : أن ما أتلفته الفئة الباغية [ في ] ( 9 ) غير القتال في بَيَاتٍ وشن غارات من غير فرض قتال ، فهم مطالبون به ، وإن كان قد يؤدى هذا إلى ما ذكرناه في نصرة القول الأول . وهذا القائل يقول : إنما قبلنا شهاداتهم ، لأن ردها يأتي [ من ] ( 10 ) ناحية تمكّن
--> ( 1 ) أثر الزهري رواه البيهقي في السنن الكبرى : 8 / 175 . ( 2 ) ت 4 : " عصفاً " . ( 3 ) ت 4 : " فلم " . ( 4 ) ت 4 : " الصعان " . ( 5 ) زيادة من ( ت 4 ) . ( 6 ) نفذنا أحكام البغاة : أي أننا باسم قاعدة الإيالة الكلية ، حكمنا بنفوذ أحكام البغاة فيما يقيمونه من حدود ، ويجمعونه من زكوات ، وفيما يحكم قاضيهم فيه من دماءٍ وفروج . ( 7 ) ت 4 : " الصولة " . ( 8 ) في الأصل : " موصف بأنه " . ( 9 ) في الأصل : " من " . ( 10 ) في الأصل : " في " .